السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
503
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وإن شئتم فأفشوا وإن شئتم فاكتموا . وأجاب تعالى عما ذكروه من مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم عند ربهم بأن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء لا بيدكم حتى تحبسوه لأنفسكم وتمنعوا منه غيركم ، وأما حديث الكتمان مخافة المحاجة فقد أعرض عن جوابه لظهور بطلانه كما فعل كذلك في قوله تعالى في هذا المعنى بعينه : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( البقرة / 77 ) ، فقوله : أَ وَلا يَعْلَمُونَ ، إيذان بأن هذا القول بعد ما علموا أن اللّه لا يتفاوت فيه السر والعلانية كلام منهم لا يستوي على تعقل صحيح ، وليس جوابا لمكان الواو في قوله : أَ وَلا يَعْلَمُونَ . قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ، الفضل هو الزائد عن الاقتصاد ، ويستعمل في المحمود كما أن الفضول يستعمل في المذموم ، قال الراغب : وكل عطية لا تلزم من يعطي يقال لها فضل نحو قوله : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ - ذلك فضل اللّه - ذو الفضل العظيم ، وعلى هذا قوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ - ولولا فضل اللّه - انتهى . وعلى هذا فقوله : إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ، من قبيل الإيجاز بالقناعة بكبرى البيان القياسي ؛ والتقدير : قل إن هذا الإنزال والإيتاء الإلهي الذي تحتالون في تخصيصه بأنفسكم بالتظاهر على الإيمان والكفر ، والإيصاء بالكتمان أمر لا نستوجبه معاشر الناس على اللّه تعالى بل هو من الفضل ، والفضل بيد اللّه الذي له الملك وله الحكم فله أن يؤتيه من يشاء واللّه واسع عليم . قوله تعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، فلما كان الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء وكان واسعا عليما أمكن أن يختص بعض عباده ببعض نعمه فإن له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ، وليس إذا لم يكن ممنوع التصرف في فضله وإيتائه عباده